ابن أبي مخرمة

119

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وكان يحب الفقراء ، ويجالسهم كثيرا ويعتقدهم ، فعادت عليه بركتهم ، فألحقه اللّه بهم ؛ فإن المرء مع من أحب . قال اليافعي : ( فلما احتضر الشيخ أبو حمران . . سئل : من يكون الشيخ بعدك ؟ فقال : الذي يقع على رأسه الطائر الأخضر في اليوم الثالث من موتي هو الشيخ ، فلما كان اليوم الثالث من موته . . حضر الفقهاء والفقراء والعوام في مسجده ، وقعدوا ينتظرون ما يكون من وعد الشيخ ، وفيهم المصدق والمكذب والمتشكك ، وإذا بالطائر الموصوف قد أقبل وحط في طاقة المسجد ، فعند ذلك تشوف للمشيخة كبار أصحاب الشيخ ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، فارتفع ذلك الطائر من موضعه الذي حط فيه أولا ، ثم وقع على رأس الشيخ جوهر ، فقام إليه الفقراء ليزفوه ويقعدوه في منصب الشيخ ، فبكى وقال : أين أنا من هذا ! وأنا رجل جاهل لا أصلح لهذا ، ولا أعرف الطريق ! فقالوا له : ما أقامك الحق في هذا المقام إلا وأنت أهل له ، وسيعلمك ما تجهل ، ويوليك التوفيق ، فقال : إن كان ولا بد ، فأمهلوني ثلاثة أيام ، أسعى في براءة ذمتي برد الحقوق التي علي للناس والتخلص منهم ، فأمهلوه ، فلما مضت الثلاث . . قعد في منصب المشيخة ، فكان كاسمه جوهرا ، كتب إليه بعض المشايخ كتابا يسبه فيه ، فكان جوابه إليه : [ من الطويل ] إذا سعدوا أحبابنا وشقينا * صبرنا على حكم القضا ورضينا وإن جيّش الأحباب جيشا من الجفا * بنينا من الصبر الجميل حصونا وإن بعثوا خيل الصدود مغيرة * بعثنا لهم خيل الوصال كمينا وإن شهروا أسيافهم لقتالنا * أتيناهم بالذل مدرّعينا أحبّاءنا جوروا وإن شئتم اعدلوا * صبرنا على حكم القضا ورضينا فلما وقف الشيخ على جوابه . . استغفر اللّه تعالى وتهيأ للاجتماع بالشيخ جوهر ، ورحل من بلاده إليه ، فلما اجتمع به . . كشف رأسه ، واستغفر اللّه تعالى ) « 1 » . قال الخزرجي : ( ولم أقف على تاريخ وفاة الشيخ جوهر ) اه « 2 » توفي الشيخ جوهر المذكور سنة ست وعشرين وست مائة .

--> ( 1 ) « مرآة الجنان » ( 4 / 347 ) ، وفيها البيت الأول فقط ، وانظر الأبيات الأخرى في « تاريخ ثغر عدن » ( 2 / 40 ) . ( 2 ) « طراز أعلام الزمن » ( 1 / 287 ) .